في تحرك ميداني عاجل وغير مسبوق، تدخل محمد جبران، وزير العمل، لوقف مخالفات جسيمة رصدتها فرق التفتيش التابعة للوزارة في اثنتين من شركات المقاولات الكبرى، بعد رفضهما الخضوع لإجراءات التفتيش الدوري الذي تنفذه لجان الوزارة لمتابعة تطبيق أحكام قانون العمل الجديد وضمان حقوق العاملين وسلامتهم داخل مواقع العمل.
وتعود الواقعة إلى تلقي غرفة عمليات وزارة العمل بلاغات من مفتشي السلامة والصحة المهنية تفيد بقيام شركتين بمواقع إنشائية بعدم السماح بدخول لجان التفتيش إلى موقع العمل، في مخالفة صريحة لنصوص القانون، وهو ما استدعى تحركًا مباشرًا من الوزير الذي قرر التوجه بنفسه إلى الموقع للتحقق من الوضع على أرض الواقع.
وبمجرد وصوله، وجه جبران بوقف العمل فورًا داخل الموقعين لحين تصحيح الأوضاع القانونية، وتحرير محاضر رسمية ضد الشركتين لمخالفتهما التعليمات، مؤكدًا أن القانون يُطبق على الجميع دون استثناء، وأن الحفاظ على حياة العمال وسلامتهم يأتي قبل أي اعتبارات أخرى.
وأوضح الوزير خلال الزيارة أن الوزارة لن تسمح بتكرار مثل هذه المخالفات التي تمثل انتهاكًا واضحًا لحقوق العاملين وتحديًا لسلطة الدولة في متابعة تنفيذ القانون، مشددًا على أن الالتزام بإجراءات التفتيش ليس خيارًا بل واجب قانوني، وأن أي جهة ترفض التعاون ستُتخذ ضدها الإجراءات الفورية التي قد تصل إلى وقف النشاط أو إحالة المسؤولين للنيابة.
وأشار جبران إلى أن الهدف من حملات التفتيش ليس العقاب وإنما ضمان بيئة عمل آمنة ومنظمة، تلتزم بمعايير السلامة المهنية وتوفر للعامل حقوقه القانونية والمالية، موضحًا أن الوزارة تعمل في إطار خطة شاملة لتفعيل أحكام قانون العمل الجديد، ومتابعة مدى التزام المنشآت بتطبيق الحد الأدنى للأجور، والتأمينات الاجتماعية، وأنواع العقود، إلى جانب تصاريح عمل الأجانب.
وأكد أن المرحلة المقبلة ستشهد زيادة غير مسبوقة في الحملات الميدانية بمختلف المحافظات، خصوصًا في قطاعات المقاولات والصناعات الثقيلة، لما تشهده من معدلات إصابة مرتفعة تتطلب رقابة دقيقة. وأوضح أنه سيشارك شخصيًا في بعض هذه الحملات للتأكد من التزام المفتشين بأعلى درجات الدقة والشفافية في أداء مهامهم.
وفي تصريحات خاصة عقب جولته، قال وزير العمل إن الدولة المصرية لن تتهاون مع أي منشأة تتلاعب بحقوق العمال أو تتجاهل اشتراطات السلامة، مشيرًا إلى أن ما حدث اليوم يمثل رسالة واضحة لكل أصحاب الأعمال بأن القانون فوق الجميع، وأن أي مخالفة سيتم التعامل معها على الفور، دون تهاون أو وساطة.
وأضاف أن حماية العاملين من المخاطر المهنية ليست مسؤولية الوزارة وحدها، بل هي مسؤولية مشتركة بين الحكومة وأصحاب الأعمال والعاملين أنفسهم، مشيرًا إلى أن الوزارة مستمرة في تنفيذ برامج توعية وتدريب للعاملين والمديرين حول أساليب السلامة والصحة المهنية، وطرق الوقاية من الحوادث داخل مواقع العمل.
كما أكد أن توجيهات القيادة السياسية واضحة وصريحة في هذا الشأن، بضرورة تطبيق معايير العدالة الاجتماعية وتوفير بيئة عمل تليق بالإنسان المصري، لافتًا إلى أن الاستقرار الإنتاجي لا يتحقق إلا بضمان حقوق العامل وتأمين حياته داخل مكان العمل، وأن أي تجاوز يمثل تهديدًا لهذا الاستقرار.
وشدد جبران على أن وزارة العمل لن تسمح بوجود مناطق “محظورة” أمام لجان التفتيش، وأن أي محاولة لتعطيل عملها أو إخفاء مخالفات ستقابل بإجراءات قانونية صارمة، مؤكدًا أن الحزم في تطبيق القانون هو الطريق الوحيد لضبط منظومة العمل في مصر.
وكشف الوزير أن فرق التفتيش التابعة للوزارة حررت خلال الأسبوع الماضي عشرات المحاضر في عدد من المحافظات، تتعلق بعدم الالتزام بمعايير السلامة أو بتأخير صرف الأجور، مشيرًا إلى أنه تمت إحالة بعض الحالات للنيابة العامة، وأن الوزارة تتابع تنفيذ القرارات لحظة بلحظة عبر منظومة إلكترونية تربط بين المديريات ومكتب الوزير مباشرة.
وختم الوزير تصريحاته بالتأكيد على أن الوزارة ستنشر نتائج حملات التفتيش أولًا بأول للرأي العام في إطار من الشفافية، مشددًا على أن الإصلاح في سوق العمل لن يتحقق بالشعارات بل بالمواقف الحاسمة، مثل الموقف الذي تم اتخاذه اليوم ضد الشركتين المخالفتين، مؤكدًا أن “القانون سيُطبق على الكبير قبل الصغير، لأن كرامة العامل خط أحمر”.

