أكد المستشار محمد الفيصل يوسف، رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات ورئيس منظمة الإنتوساي، أن تولي مصر رئاسة المنظمة الدولية للأجهزة العليا للرقابة والمحاسبة (الإنتوساي) يمثل نقطة تحول في الفكر الرقابي العالمي، مشيرًا إلى أن المرحلة الجديدة من عمل المنظمة ستقودها مصر برؤية شاملة تستهدف تطوير أدوات الرقابة وتحقيق الشفافية في إدارة المال العام على المستوى الدولي.
جاء ذلك خلال عرضه التقرير الأول حول الرؤية المصرية لقيادة الإنتوساي، والذي تضمن ملامح خطة العمل خلال السنوات المقبلة، وأولويات المرحلة الجديدة في ضوء التغيرات المتسارعة التي يشهدها العالم في مجالات الحوكمة والإدارة العامة والتحول الرقمي.
وأوضح رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات أن رؤية مصر لقيادة الإنتوساي تنطلق من إيمان عميق بدور الأجهزة العليا للرقابة في تعزيز النزاهة والحوكمة الرشيدة، وتحقيق الكفاءة في إدارة الموارد العامة، مؤكدًا أن العمل الرقابي لم يعد يقتصر على اكتشاف الأخطاء أو المخالفات المالية، بل أصبح وسيلة استراتيجية لتقييم الأداء الحكومي ودعم التنمية المستدامة.
وأشار إلى أن العالم يشهد حاليًا مرحلة جديدة من التطور في الفكر الرقابي، تعتمد على الدمج بين التحليل المالي والتخطيط الاستراتيجي والتكنولوجيا المتقدمة، وهو ما تسعى مصر إلى تعزيزه خلال فترة رئاستها للإنتوساي، من خلال برامج ومبادرات عملية تركز على بناء القدرات، وتحسين الأداء الرقابي، وتوسيع مجالات التعاون الدولي.
وأضاف المستشار الفيصل يوسف أن الخطة الاستراتيجية للإنتوساي، التي ترتكز عليها الرؤية المصرية، تتضمن أربعة أهداف رئيسية هي: تعزيز المعايير المهنية لمراجعة حسابات القطاع العام، وتطوير القدرات المؤسسية للأجهزة الرقابية، وتبادل المعرفة والخدمات بين الأجهزة الأعضاء، وتحقيق الحوكمة الرشيدة داخل المنظمة.
وأوضح أن مصر ستعمل على تحويل تلك الأهداف إلى برامج تنفيذية واضحة قابلة للقياس، من خلال وضع مؤشرات أداء دقيقة ومتابعة دورية للتقدم المحرز في كل محور، مشددًا على أن نجاح العمل الرقابي يقاس بالأثر الفعلي على كفاءة إدارة المال العام وليس فقط بنتائج التقارير.
وتابع رئيس الإنتوساي أن الرؤية المصرية ترتكز على خمسة محاور أساسية تشمل الالتزام بالبعد الاستراتيجي للمنظمة، وتمكين الكوادر المهنية، وتطبيق مبادئ الحوكمة الداخلية، وتعزيز التكامل التكنولوجي، إلى جانب تطوير التعاون الإقليمي والدولي بين الأجهزة العليا للرقابة.
وأكد أن التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي أصبحا عنصرين حاسمين في تطوير العمل الرقابي الحديث، حيث تسعى الإنتوساي تحت الرئاسة المصرية إلى تمكين الأجهزة الأعضاء من دمج التكنولوجيا في مختلف مراحل العمل الرقابي بدءًا من جمع البيانات وحتى إعداد التقارير وتحليل المخاطر، بما يرفع من كفاءة ودقة المخرجات الرقابية.
وتطرق رئيس الإنتوساي إلى المحاور التطبيقية للرؤية المصرية، والتي تركز على تعزيز فعالية الإنتوساي كمجتمع مهني عالمي، وتحويل المعرفة النظرية إلى ممارسات عملية داخل الأجهزة الأعضاء، إلى جانب تطوير استقلال الأجهزة العليا للرقابة باعتبارها الضمانة الأساسية لنزاهة العمل الرقابي وفاعليته.
كما تتضمن الرؤية المصرية إدماج القضايا المستقبلية ذات البعد العالمي مثل التغير المناخي، والتحول الأخضر، والحوكمة الرقمية، والأمن السيبراني ضمن الخطط الرقابية، مشيرًا إلى أن هذه الموضوعات أصبحت جزءًا أساسيًا من مسؤوليات الأجهزة الرقابية في ظل التحديات البيئية والتكنولوجية التي تواجه العالم.
وأشاد المستشار محمد الفيصل يوسف بالدور الذي قام به الجهاز الأعلى للرقابة بالبرازيل خلال الدورة السابقة، مثمنًا جهوده في الحفاظ على توازن العمل المهني داخل المنظمة، كما وجه الشكر للأمانة العامة ولجان الأهداف بالإنتوساي على دورها في ضمان استمرارية العمل المشترك بين الأقاليم الرقابية المختلفة.
وأشار إلى أن الرؤية المصرية تسعى إلى تعزيز الحوكمة الداخلية داخل الإنتوساي نفسها، عبر تحديث آليات المتابعة والتقييم، وتوسيع المشاركة بين الدول الأعضاء، وتبني آليات أكثر مرونة في إدارة الملفات المشتركة بما يحقق الكفاءة ويضمن الشفافية في اتخاذ القرار.
واختتم رئيس الإنتوساي كلمته بالتأكيد على أن قيادة مصر للمنظمة تمثل التزامًا دوليًا بتطوير الفكر الرقابي العالمي، وأن الجهاز المركزي للمحاسبات يسعى من خلال هذه الرؤية إلى بناء نموذج جديد للرقابة العامة يعتمد على الشراكة والمهنية والتكنولوجيا، منوهًا إلى أن الرقابة في صورتها الحديثة لم تعد مجرد وسيلة للمساءلة، بل أصبحت أداة للتخطيط السليم والتنمية المستدامة، ومؤشرًا حقيقيًا على نضج الدولة في إدارة مواردها العامة.
وأكد أن مصر، برئاستها للإنتوساي، تعلن بداية مرحلة جديدة من العمل الرقابي الدولي تقوم على التفاعل بين الفكر والممارسة، وتستهدف بناء مستقبل أكثر شفافية وعدالة في إدارة المال العام، مشيرًا إلى أن الرؤية المصرية ستكون منصة عالمية لتبادل الخبرات وتوحيد الجهود في سبيل ترسيخ الحكم الرشيد على مستوى العالم.

